محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

696

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال الموحّدون حقّا : طوبى لمن ذكر اللّه تعالى بالوحدانية على ما جاء به في الكتاب العظيم على لسان رسوله الكريم ، وتبّا لمن قال فيه بما لم يرد به الكتاب ولم ينصّ عليه الرسول ، ومن قال : إنّ التوحيد عقليّ ، وإنّ الأنبياء ما جاءوا بتقرير التوحيد ونفي الأنداد والاستدلال على الخصوم بالآيات الدالّة على التوحيد ونفي الأنداد فقد ألحد في الدين وخرج عن ربقة الإسلام والمسلمين ، بل التوحيد حقّ التوحيد ما ورد في القرآن المجيد على لسان النبيّ الأمّيّ ، والاستدلال بالآيات حقّ الاستدلال ما ورد عقيبه من تقرير الآيات في خلق السماوات وذلك هو النظر الصحيح والفكر القويم . ثمّ قوله : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي خالقكم وآمركم خالق واحد وآمر واحد لا شريك له في خلقه وأمره : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، ومعنى الوحدة على طريق المتكلّمين يرجع إلى النفي فهو من صفات النفي لا من صفات [ الإثبات ] ، ولهذا فسّروا الواحد بنفي القسيم والشبيه والشريك في الذات والصفات والأفعال ؛ وربّما يخالفهم من المتكلّمين في كلّ قسم من الأقسام ، وقد ورد كالإجماع على قولنا : هو تعالى واحد لا كالآحاد ؛ فيجب أن يستوي أقسام الوحدة في الأعداد والمعدودات حتّى يتبيّن أنّه واحد لا كالآحاد . فيقال : واحد لما هو مبدأ العدد الذي يتركّب منه العدد ؛ فنقول : واحد واثنان وثلاثة ، ولا معنى للاثنين إلّا واحد مكرّر مرّتين ، وكذلك الثلاثة والأربعة ، ويقال : واحد لما هو علّة العدد ولا يدخل في العدد ولا يتركّب العدد منه ، ويقال ( 284 آ ) واحد لما يلزم العدد والمعدود ؛ فإنّ الاثنين واحد في اثنينيته ، وكذلك كلّ عدد ومعدود فيلزمه الوحدة ، وعنه أخبر الصادق أنّ اللّه تعالى تفرّد بالوحدانية ثمّ أفاضها على خلقه . والباري تعالى واحد لا كالآحاد التي في خلقه ، بل الواحد والكثير الذين في خلقه فهو خلقه ؛ والباري تعالى إله كلّ واحد وكثير ، وكما لا شريك له في خلقه لا شريك له في أمره ؛ والمشركون ربّما لا ينازعون في الخلق : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ و لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ فإنّ احتياج الخلق إلى خالق خلقهم فطرة وضرورة ، ولذلك قال : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وإنّما